ماذا يريد السوريون من تركيا؟!

عبير النحاس – ترك برس

ربما ندرك جميعنا أن تنظيم أمورنا في تركيا هو أمر رائع يصب في مصلحة السوريين والأتراك، وفي مصلحة هذا البلد الذي أحببناه ولسنا ننكر فضله وما قدمه لنا من كرامة ودفء وشعور بالأمان في الوقت الذي حاربنا فيه العالم أجمع والدول العظمى، وأغلقت في وجهنا أبواب الدول العربية والأوروبية.

وندرك تماما أن الحملة الأمنية الأخيرة في اسطنبول وغيرها من المحافظات إنما تهدف لتنظيم الأمور وترتيبها، والتخفيف من المظاهر السلبية التي تؤجج مشاعر الكراهية ضد السوريين وتكون وقودا لحملات التحريض عليهم واستخدامهم كورقة لمهاجمة الحكومة التركية ومهاجمتهم أيضا.

وربما علينا أن نطالب الحكومة التركية التي تعودنا على إنسانيتها أن تكمل معنا كسوريين بما يحفظ كرامتنا، ولا يهدم في نفوسنا ونفوس أولادنا تلك المشاعر الطيبة التي يكنها الجميع لتركيا وللشعب التركي، وإعادة النظر في القرارات الأخيرة وأيضا المهل التي قدمت للسوريين للانتقال إلى المدن الأخرى التي تم تسجيلهم فيها وهو ما يعني هجرة جديدة وحياة جديدة وهو ما ليس سهلا ابدا ولا يتم خلال شهر واحد وهي المهلة التي قدمت للسوريين لتنفيذ هذه القرارات.

لقد تجمع السوريون في إسطنبول لأنهم وجدوا أعمالا تحفظ كرامتهم وكرامة عائلاتهم وأطفالهم وتكفيهم ذل الحاجة وطلب المساعدات، وربما علي أن أخبركم ان أغلب السوريين لا يعرفون من إسطنبول إلا أماكن عملهم وأماكن سكنهم وهم هنا فقط لأجل تأمين حياة كريمة ولو كانت بسيطة وبسيطة جدا.

- Advertisement -

لقد أسس السوريون بيوتهم هنا قطعة قطعة ،وارتضوا بالأجور القليلة، وكانوا ممتنين من الحكومة ومن الشعب التركي لما قدموه، ولا نريد إلا أن يكملوا معنا ما بدأوه وما يحفظ كرامتنا وكرامة أطفالنا.

يعلم الأتراك جيدا ما معنى أن تنتقل إلى بيت جديد، وكم من المبالغ المالية يكلف هذا الأمر، وكم تحتاج من الوقت والجهد للبحث عن منزل، وعن عمل جديد في مدينة جديدة لا تعرفها،  وربما تعرفون أن أغلب السوريين بالكاد يملك من المال ما يكفي لإطعام عائلته لشهر ربما، وهو يكافح وحيدا دون أن يتلقى الدعم من المنظمات السورية التي تحولت إلى جمعيات خيرية تقدم بعض الأغذية وأنشطة بلا معنى، ولا تقوم بأي عمل تنظيمي أو مساعدة حقيقية  للسورين، وهي منفصلة تماما عن واقع الإنسان السوري، ناهيك عن من تصدر للعمل السياسي والذين لا يدركون معنى دورهم والمسؤولية التي عليهم القيام بها، وهذا أمر ندركه جيدا وندرك ان سببه هو أننا شعب حرمه نظام الأسد من ممارسة السياسة والعمل المدني خوفا من أن ينافسه على السلطة، وربما نحتاج منكم أيها الإخوة عونا جديدا في تنظيم أمورنا وتفعيل مؤسساتنا المدنية التي لا تعني لنا إلا جدران وأشخاص بلا نفع حقيقي أو قيمة.

المشكلة الأكبر والأخطر في الحملة الأمنية وفي تطبيق قرارات الترحيل أنها فتحت المجال واسعا لحملات الكراهية والتحريض على الحكومة التركية والأتراك عندما أبرزت وبشكل مكثف ما تعرض له الشبان السوريون أثناء الترحيل وأيضا وصولهم إلى إدلب التي تعاني من القصف المكثف من النظام وروسيا ولا يتوقف فيها شلال الدم، وقد كانت حملات التحريض من قبل تستهدف الاتراك ولا تنجح مع السوريين وكانت تعتمد على الشائعات والتضليل لكنها اليوم متبادلة بين الشعبين على مواقع التواصل ونحن بالتأكيد نعرف أن من يفرح بها هم أعداء الشعب التركي و أعداء الشعب السوري كنظام الأسد الذي يرسل أزلامه وشبيحته إلى تركيا لتشويه صورة السوريين من أجل دفعهم للعودة وإخماد ثورتهم وللانتقام من الحكومة التركية التي وقفت بجانب المظلومين ولم تدعم قاتلهم، إضافة للحكام العرب الذين كشفت عوراتهم وتقصيرهم سياسة الحكومة التركية تجاه اللاجئين وأظهرتهم بمظهر المتخاذل وهم كذلك حقا.

إن السوريين في تركيا يؤيدون بالتأكيد قرارات الحكومة وهم يعلمون انها لمصلحتهم أولا ولمصلحة البلد الذي أحبوه دائما وعاشوا فيه إنسانيتهم وكرامتهم ربما يطلبون منها المزيد من الصبر، وأن تقدم لهم الفرصة الكافية لترتيب أوضاعهم والنظر في المشكلات التي يواجهونها عند تطبيق القرارات، ومنها الوقت الكافي للانتقال وإيجاد أعمال في المدن الجديدة، وأيضا التشتت الذي ستعانيه الكثير من الأسر لأن أفرادها استخرجوا الكملك من مدن مختلفة حسب ما سمح لهم تاريخ وصولهم إلى تركيا، ونحن نثق بإخوتكم وما عهدناه منكم من معدن طيب وروح الأخوة التي جمعتنا كل تلك السنوات.

ربما علينا ان نتعلم مما حصل ومن حملات التحريض أن المستهدف هنا هو تلك المشاعر الطيبة المتنامية بين الشعب والحكومة التركية وبين الشعوب العربية بشكل عام واللاجئين السوريين خاصة، و أن ما حصل من استغلال للأحداث يهدف حقا إلى تشويه صورة تركيا أولا، وإلى شحن المجتمع السوري في داخل تركيا وفي إدلب إضافة لتشويه صورة تركيا في وجه العرب الذين يتطلعون إلى عودة الوحدة بين أبناء الأمة الواحدة لأن هذا يعني انتهاء مصالح الغرب تماما في بلادنا وانتهاء مهمة الحكومات التابعة لها، ولهذا علينا أن نكون يدا واحدة من جديد لأن وحدتنا هي ما يخيف هؤلاء.

وربما علينا كسوريين وأتراك أن نبذل جهدا أكبر في تحسين وإبراز صورة المجتمع السوري في الإعلام التركي الذي يظهر أغلب ما يتبع للمعارضة التركية منه الوجه السيئ لمجتمعاتنا مما يثير الكراهية بين الشعبين حتى وإن كان أغلب ما يبث مبني على شائعات مضللة.

أن يتم التفريق بين السوري الذي جاء إلى تركيا حفاظا على حياة أطفاله وحياته وبين مؤيدي النظام السوري وهم هنا كثر ومن مهمتهم الإساءة لصورة المجتمع السوري في تركيا.

وما نرجوه هو دعم منظمات المجتمع المدني من قبل المنظمات التركية التي لها خبرة طويلة في أصول العمل في المجتمعات لأداء دورها الحقيقي والفاعل في تنظيم وتسهيل حياة السوريين والمساعدة على دمج المجتمعين وتخفيف التوتر الحاصل بينهم.

وأخيرا إعطاء السوريين المهلة الكافية لترتيب أوضاعهم، ومراعاة فكرة أن الانتقال يحتاج إلى الكثير من المال وإيجاد الوظائف والأعمال البديلة التي لا يمكن لسوري وحيد وبسيط تأمينها وحده.

وأخيرا كلمة :

- Advertisement -

لم يفكر أيا من السوريين قبل أن تبدا أعمال العنف من قبل نظام الأسد بالقدوم إلى تركيا يا إخوتنا.

ولو حدثتكم عن ما يحصل في المعتقلات من اغتصاب للنساء وسلخ للجلود وإحراق للمعتقلين وحملات تعذيب لا تخطر على بال بشر لما توقفت لساعات.

وتعلمون وترون على شاشات التلفاز كيف تتم إبادة الشعب السوري بالكيماوي وبالبراميل المتفجرة وكيف تحارب هذا الشعب كل الدول العظمى بدعمها وصمتها على كل هذه المجازر.

لقد أتينا إلى هنا لنحفظ حياتنا وحياة أولادنا وكرامتنا وكنتم خير من استقبلنا وفتح لنا أبوابه في هذا العالم.

ونحن نرجوكم اليوم أن لا تقتلوا فينا الأمل الوحيد المتبقي في هذا العالم.

وأن لا تمسحوا من أعيننا وقلوبنا صورة تركيا الجميلة الآمنة.